شمس الدين الشهرزوري

636

رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية

وإثبات وجود هذا النبي العارف يبتني على مقدمات : المقدمة الأولى « 1 » : إنّ الإنسان الواحد لا يمكنه أن يقوم بجميع أمور معاشه دون معاون ؛ فإنّه يحتاج إلى غذاء ولباس ومسكن وسلاح لنفسه ولأزواجه وأولاده وخدّامه ومن يتعلّق به من أقربائه . وهذه الأمور المذكورة جميعها صناعية لا يمكن الشخص الواحد أن يتعلّمها إلّا في مدة طويلة لا يمكن أن يعيشها فاقدالها ؛ وإن أمكن أن يعيش فبعسر عظيم يكون منغّصا « 2 » فيها ممنوعا عن تحصيل الكمالات العقلية . فلابدّ من وجود جماعة يتعاونون على تحصيل تلك الصنائع الكثيرة ويتشاركون في اكتساب تلك الحرف المتفنّنة فيفرغ « 3 » كل واحد منهم عن مهمّ ينتفع به صاحبه ، فتتّم المشاركة والمعاونة وتكمل حياة النوع الإنساني وغيره من أنواع الحيوانات : بمعارضة بأن يعمل كل واحد منهم عملا إمّا من جنس عمل صاحبه ، أو من غير جنسه ؛ ومعاوضة بأن يعطي كل واحد منهم الآخر من عمله عوضا ممّا أخذ منه من عمله . فاضطرّ النوع الإنساني لهذا السبب إلى الاجتماع في مكان واحد لأجل المعاونة والمشاركة اللتين لا يكمل صلاح الخلق إلّا بهما ، ويسمّي الحكماء هذا الاجتماع « تمدّنا » ؛ فلذلك قالوا « الإنسان مدني بالطبع » بمعنى أنّه يحتاج في الحياة ومعيشتها وصلاح دنياه وتكميل نفسه لأخراه إلى هذا الاجتماع . فعقد « 4 » النوع البشرى لهذا السبب في كل مكان ومقام مدنا وبلادا وقرى وضياعا يجتمعون فيها فيتعاونون على تحصيل الغذاء الجسماني وتوابعه ويتشاركون على اكتساب الغذاء الروحاني الذي هو كمال النفس الناطقة . المقدمة الثانية « 5 » : إنّ هذا الاجتماع التمدني على التعاون ، لا يتم انتظامه إلّا إذا كان بين الناس معاملة وعدل ، لأنّ كل واحد من الناس يشتهي لنفسه جميع المنافع المحتاجة إليها ويتأذّى ممن « 6 » يزاحمه عليها وتدعوه قوة شهوته و

--> ( 1 ) . شرح الإشارات ، همان ، ص 372 . ( 2 ) . ب : متعصبا . ( 3 ) . د : فيتفرع . ( 4 ) . د : فبعد . ( 5 ) . همان ، ص 372 . ( 6 ) . ب : فمن .